المقالات والمحتويات

قصص قصيرة

التنمية مفهوم عريق وتحدي للمجتمعات الإنسانية


التنمية مفهوم عريق وتحدي للمجتمعات الإنسانية.
شهد العالم منذ أواخر التسعينات تغيرات جوهرية، دفعت كل البلدان النامية منها والمتقدمة إلى إعادة النظر في فلسفة الحكم والإدارة التي كانت تنهجها، وكان من الضروري تبني المدخل الإداري في تنفيذ السياسات التنموية العامة لتحقيق التنمية الشاملة، وقد أظهرت الدراسات العديدة أن النجاح التنموي أو الإخفاق فيه يتوقف على مدى رشادة الحكم والإدارة، خاصة وأن الهيئات المانحة للدول النامية تطلب منها إحداث تغييرات جذرية في هياكلها السياسية والإدارية وإعادة صياغة أطر الحكم، كشرط لتحقيق التنمية، وذلك باعتبار التنمية والتقدم والحداثة هدفا مشتركا للمجتمعات والبلدان المعاصرة، إلا أن هناك تباينات واضحة في كيفية تحقيقها والوصول إلى التنمية المنشودة. 
" إن مفهوم التنمية مفهوم قديم، حيث شكل الموضوع المركزي لكتاب » آدم سميت   « عام الموسوم ثورة الأمم عام 1776، والذي اعتبر أهم المراجع البحثية التي فتحت المجال أمام الدراسات الاقتصادية والسياسية الحديثة.
ذلك أن الثورة الصناعية التي عاشها المجتمعات في تلك المرحلة طرحت سؤالين اثنين وهما: مدى احتياج المجتمعات الغربية لمثل هذه الثورات في تنمية اقتصادها، والآثار التي قد تنجم من خلال التطور الاقتصادي والاجتماعي على باقي المجتمعات الأخرى.[...] وعليه أصبح مفهوم التنمية من المفاهيم الشائعة والكثيرة الاستعمالات سواء من قبيل الباحثين والدارسين أو من قبل الهيئات والمنظمات المحلية والدولية المختصة وغير المختصة، وقد اهتمت المجتمعات النامية بهذا الموضوع باعتباره آدات وطريقة لمواجهة التخلف، كما بذلت جهود عديدة وكبيرة لتحديد مفهوم التنمية، فقد عرفت التنمية على أنها العملية الاجتماعية والاقتصادية التي تقضي على التخلف بكل مؤشراته وأسبابه كما ونوعا والتي لا يمكن أن تتم إلا في إطار إنتاج اجتماعي معين حيث تحدد القوانين لهذا النمط مسيرة ومهام التنمية بشكل عام" [1].
وينظر البعض إلى أن التنمية هي عملية تسعى إلى الاستغلال الأمثل للموارد بهدف إقامة مجتمع حديث، يستغل موارده لقضاء حاجاته مع الحفاظ على هذه الموارد للأجيال القادمة.
ولقد جاء تعريف هيئة الأمم المتحدة للتنمية عام 1955 على أن التنمية " العملية المرسومة لتقدم المجتمع جميعه اقتصاديا واجتماعيا واعتماد على إشراك المجتمع المحلي ومبادرته، تم عرضها في عام 1956 على أنها العمليات التي يمكن بها توحيد جهود المواطنين والحكومة لتحسين الأحوال الاقتصادية والاجتماعية والثقافية في المجتمعات المحلية ولمساعدتها على الاندماج في حياة الأمة والمساهمة في تقدمها بأقصى قدر مستطاع"[2]
2-4-1 المفهوم الكلاسيكي للتنمية.
يعد مفهوم التنمية من المفاهيم التي ترتبط بجل مجالات الحياة الانسانية " فيستعمل على سبيل المثال عندما يتم التعبير على نمو حجم الانسان أو على نمو ذكائه، ومن جهة أخرى، باستعمال مصطلح التنمية، يتم الإشارة إلى ظاهرتين. فالأولى يقصد بها الانتشار، أما الثانية فيقصد بها النمو، ولعل أبرز أمثلة على الظاهرة الثانية فهي نمو نشاط معين أو نمو دولة ما، لذا تعرف التنمية على أنها المرور من وضع بسيط ومؤقت إلى وضع أشد تعقيدا وأكثر استقرارا "[3]
وفي معظم القواميس يتم ربط مصطلح التنمية عندما يتم التعبير عن اقتصاد الدولة، فالتنمية لغة من النمو أي ارتفاع الشيء من وضعه إلى موضع آخر، واصطلاحا هي عملية الانتقال بالمجتمع من حالة ومستوى أدنى إلى حالة ومستوى أفضل، ومن نمط تقليدي إلى آخر عصري كما ونوعا وتعد حلا لابد منه في مواجهة المتطلبات الوطنية في ميدان الإنتاج والخدمات. كما تعرف أيضا على أنها " عملية تحسين نوعي ودائم للاقتصاد ولطرق سيره"[4]، وهي أيضا " تقدم المجتمع عن طريق استنباط أساليب إنتاجية جديدة أفضل ورفع مستويات الإنتاج من خلال إنماء المهارات والطاقات البشرية وخلق تنظيم أفضل، هذا فضلا عن زيادة الرأسمال المتراكم في المجتمع على مر الزمن"[5] ، ومن المفاهيم الخاصة بالتنمية " هي التقدم والتطور والتحديث وربما التصنيع، ويرجع ذلك إلى أن البلدان التي حققت الدرجة العليا في التنمية، هي الدول المتقدمة والمتطورة والحديثة والصناعية"[6]
2-4-2 المفهوم الحديث للتنمية.
إن فشل المجهودات التنموية التي كانت تقام فيما مضى، أدى إلى تراجع المفهوم التقليدي لها، الذي كان يرتكز على الجانب الاقتصادي، على حساب مفاهيم حديثة لنفس المصطلح، فسعى المهتمين بذلك إلى إعادة تحليل التنمية وتعريفها من خلال منظور شامل لا يقتصر فقط على البعد الاقتصادي وإنما هو أشمل من ذلك، حيث يراعي الأبعاد الاجتماعية التي تتمثل في القدرة على تلبية الحاجيات الأساسية للمجتمع والقضاء عن كل مشاكله من اللامساواة والفقر والبطالة، ومشاركته في تحقيق التنمية وليس عزله عنها،  وعدم حصر التنمية في توفير الغداء والسكن والصحة والتعليم والعمل فقط. وهذا ما أصبح يعرف بالتنمية البشرية، وهذه الأخيرة تعني " عملية تهدف إلى زيادة الخيارات المتاحة أمام الناس، وتركز تلك الخيارات الأساسية في أن يحيا الناس حياة طويلة خالية من العلل وأن يكتسبوا المعرفة وأن يحصلوا على الموارد اللازمة لتحقيق مستوى حياة كريمة. ومن ثمة فإن للتنمية جانبان، الأول هو تشكيل القدرات البشرية مثل تحسين الصحة والمعرفة والمهارات، والثاني يتمثل في انتفاع الناس بقدراتهم المكتسبة في المجالات الشخصية أو الإنتاجية أو الثقافية أو الاجتماعية أو السياسية. ولكي تكون التنمية البشرية ناجحة فإنه لا بد من تواجد توازن دقيق بين هذين الجانبين."[7]
إلى جانب هذا كله نجد أن مفهوم التنمية أصبح مفهوم مركب بمجموعة من المفاهيم من قبيل التنمية الاقتصادية، البشرية، المحلية، المستديمة، وغيرها، وكلها مفاهيم ودلالات مركبة لها مدلولاتها وطرق تدخلها. فالتنمية المحلية بصفتها مفهوم سنستقدم عليه في اللاحق سنقوم بتوضيحه ومحاولة الكشف عن مدلوله وأبعاده المجالية قدر المستطاع، نظرا لأن هذه المفاهيم التنموية فضفاضة وكل وحديثه عنها وفي الأخير ستضل مفاهيم برتوكولية ليس إلا.
هناك مجموعة من التعريفات للتنمية المحلية نذكر منها على سبيل المثال تعريف الذي اعتبرها " مفهوم حديث لأسلوب العمل الاجتماعي والاقتصادي في مناطق محدودة يقوم على أسس وقواعد من مناهج العلوم الاجتماعية والاقتصادية، وهذا الأسلوب يقوم على إحداث تغيير حضاري في طريقة التفكير والعمل والحياة عن طريق إنارة وعي البيئة المحلية وأن يكون ذلك الوعي قائما على أساس المشاركة في التفكير والإعداد والتنفيذ من جانب أعضاء البيئة المحلية جميعا في كل المستويات عمليا وإداريا "[8].
وهناك من يعرفها بأنها  حركة تهدف إلى تحسين الأحوال المعيشية للمجتمع في مجمله على أساس المشاركة الايجابية لهذا المجتمع وبناءا على مبادرة المجتمع إن أمكن ذلك، فإذا لم تظهر المبادرة تلقائيا تكون الاستعانة بالوسائل المنهجية لبعثها واستشارتها بطريقة تضمن لنا استجابة حماسية فعالة لهذه الحركة.[9]  
وفي الواقع تبقى التنمية المحلية " رهينة بخصوصيات المنطقة سواء كانت طبيعية، اقتصادية، اجتماعية، ثقافية أو سياسية، لأن الدولة لم تتدخل في إعداد المجال القروي بجبال الريف إلا بطريقة محتشمة مند الستينات"[10] . كما أكد ميشيل روسي في مؤلفه حول المؤسسات الإدارية المغربية، أن من شروط تحقيق جماعة محلية بالمفهوم السوسيولوجي لها، " إلا إذا حققت شرطان مزدوجان: أن تستفيد المؤسسات الإقليمية من توسيع لاختصاصاتها ومن دعم لوسائلها، وأن يقدم على ذات زخم كبير بهدف إحداث تجهيزات متنوعة حتى تتوفر السلطات المسؤولة على الوسائل الضرورية لتلبية حاجيات السكان"[11]. وبهذا تكون التنمية المحلية سياسة إدارية تسعى فقط إلى المحافظة على النظام العام ليس إلا، وليس من أجل تحقيق الرقي المعرفي للجماعة المحلية، وتحسين مستوياتها الاقتصادية إلى الأفضل، وبهذا يكون مفهوم التنمية فوقي سطحي غاياته سياسية أكثر من اجتماعية، ثقافية واقتصادية، ليكون في الآخر مفهوم بيروقراطي وتكنوقراطي محض.



[1] - فكرون ( السعيد)، 2004، " استراتيجية التصنيع والتنمية بالمجتمعات النامية حالة الجزائر دراسة نظرية "، بحث لنيل شهادة دكتورة الدولة في علم الاجتماع، قسم علم الاجتماع والديمغرافيا، كلية الآداب والعلوم الإنسانية والعلوم الاجتماعية جامعة منتوري، فسنطينة، ص 48 و 49.
[2] - محي الدين ( نصرت)، وآخرون، 1997، " تنمية المجتمعات الريفية"، مقال في المركز القومي للبحوث الاجتماعية الجنائية، القاهرة، أورد في، فكرون ( السعيد)، 2004، مرجع سابق، ص 49.
[3] -العايب ( عبد الرحمان)، 2010، " التحكم في الأداء الشامل للمؤسسة الاقتصادية في الجزائر في ظل تحديات التنمية"، رسالة لنيل شهادة الدكتورة في العلوم الاقتصادية، كلية العلوم الاقتصادية والعلوم التجارية وعلوم التسيير جامعة فرحات عباس، سطيف، الجزئر، ص7.   
[4] - Dictionnaire Petit Larousse Illustré , France, 1984.
[5] - عجمة (محمد عبد العزيز)  ، و الليثي (محمد علي) ، 2006، " التنمية الاقتصادية: مفهومها ونظرياتها وسياستها"، الدار الجامعية، القاهرة، جمهورية مصر العربية، ص 20، أورد في، العايب ( عبد الرحمان)، 2010 ، مرجع سابق. ص 8.  
[6] - رشاد (أحمد عبد اللطيف)، 2007، " التنمية الاجتماعية"، دار الوفاء للطباعة والنشر، القاهرة، جمهورية مصر العربية، ص 6، أورد في، العايب ( عبد الرحمان)، 2010، مرجع سابق، ص 8.
[7] - برنامج الأمم المتحدة الإنمائية، تقرير التنمية البشرية لعام 1990، نيويورك، جامعة أكسفورد، القاهرة، وكالة الأهرام للإعلان، ص 19. أورد في، العايب ( عبد الرحمان)، 2010، مرجع سابق، ص9.  
[8] -  عبد المطلب ( عبد المجيد)، 2001، " التمويل المحلي والتنمية المحلية"، الدار الجامعية، الإسكندرية، مصر، ص 184.
[9] - ماتلو ( الطيب)، 2003، " التنمية المحلية آفاق ومعاينات" مجلة الفكر البرلماني، العدد الرابع، الجزائر، ص 127.
[10]-  بودواح ،   ، ص 13.
[11] - ليكر ( رشيد)، 2003، " إعداد التراب الوطني ورهان التنمية الجهوية"، منشورات عكاظ، الرباط ، ص 208.



Commentaires