المقالات والمحتويات

قصص قصيرة

الضاحية: مفهوم متعدد وغامض الدلالة





الضاحية: مفهوم متعدد وغامض الدلالة.
الضاحية هي ذلك المجال الذي يقع على ضفاف المجال الحضري، وهي عبارة عن مجالات انتقالية بين الوسط الريفي والحضري، هذه الضواحي تعرف تحولات عميقة في وظائفها وجل مكوناتها السوسيومجالية والاقتصادية بفعل العلاقات المتتالية والتأثيرية للمدينة أوالمدن المحيطة بها.
ولتأصيل هذا المفهوم المتشعب، عبر مراحل ظهوره في العلوم الإنسانية سنكون لا محالة أمام العديد من التعريفات أو المدلولات التي يصعب تحديد الأصح منها أو الأقرب منها للواقع. لنكون بذلك ملزمين بربط مدلول التعريف بالمجال الذي انبثق منه، ومن هنا سنحاول بخبرتنا المتواضعة تحديد الضاحية وفق الدراسات السابقة والمهتمين وربطها بمجال الدراسة لتبيين مدى كونه مجال ضاحوي بامتياز لمدينتين.
إن تاريخ الضواحي بدأ في القرن التاسع عشر ومنه بزغت الضواحي، " وذلك مع الثورة الصناعية، ورغبة من السكان لتجنب ضوضاء المدينة وازدحامها، وكذا جوها الملوث،  كلها أسباب وأخرى، عززت البحث عن فضاء آخر، يستجيب لمتطلبات وشوط الحياة، بل وازداد هذا الاتجاه في القرن العشرين مع التطور الكبير الذي شهدته الصناعة، وما أفرزته تلك الوضعية من مشكلات كبيرة، وبالتالي، تم التفكير في البحث عن مكان أكثر هدوءا واستقرارا، فنشأت بذلك فكرة إنشاء الضواحي، ونمت بشكل صغير ومتواضع، بالقرب من المدينة وذلك تجنبا لطول الرحلة خاصة قبل تطور التكنولوجيا.
لكن تطور وسائل النقل والمواصلات، كانت مرحلة تحول مهمة، إذا أخذت الضواحي في التطور والنمو، وأصبحت جزءا منها، خصوصا بعدما أخذت معالم الحياة الريفية تنمحي عنها، وتتسلل إليها مظاهر الحياة الحضرية"[1]. إن توسع الضواحي مثير للاهتمام، فالتطور داخل المدينة منوط بشروط قديمة ومحددة، فهذه القيود ستكون أقل تقييدا داخل الضواحي، بالرغم من أن أي تطور حديث لا يمكن أن يكون منسلخا عن القيود والشروط التي نهجها أسلافنا، فهذا التطور العشوائي في الضواحي من شأنه أن يخلق سلة من المشاكل من قبيل النزاع عن الملكية ومقاومة الوضع الجديد من قبل أناس لا يرغبونه.[2] كل هذا وذاك جعل من تحديد مفهوم جامع ومانع لضاحية أمر غير ممكن فالكل يحدده حسب زاويته التي تنكب حولها، وحول مجاله الذي يريد دراسته.
إن مفهوم الضاحية "(Banlieue)، يعود إلى القرن الثالث عشر وتعني التجاور بين كلمتين: Ban وتعني سلطة حضرية رسمية، وكلمة Lieue تعني المجال المحيط بالمدينة التي تطبق فيه السلطة الحضرية الرسمية والذي يبلغ عرضه حوالي أربع كيلومترات. وقد فقد مصطلح الضاحية معناه القانوني والإداري انطلاقا من القرن السابع عشر ليصبح تعبيرا عن المجالات المحيطة مباشرة بالمدينة."[3]، لنجد Rigouste Mathieu يعرفها على أنها " مجال مخفي لا يسمح بمعرفته، مجال مريض يحتاج إلى الإصلاح والتدخل، مجال النزاعات الذي يحتاج إلى تهدئة"[4]. وبهذا التعريف تكون الضواحي بالفعل محط لنزاعات متتالية لا منتهية، فالضواحي المغربية أصبحت اليوم مجال لتدخلات عديدة من قبيل المصانع والشركات والطرقات والساكنة كذلك، أي كل ما لم تتحمله المدينة أصبح لزاما على ضواحيها تحملها والعيش معها، بالرغم من عدم تطور هذه المجالات وغياب البنيات التحتية بها، وبهذا أصبح لزاما تهيئة هذه الضواحي لتخفيف الضغط على المدن، خاصة في المشاريع الأكثر تلوثا وضجيجا، والأكثر تهديدا لأنظمتها البيئة المتواضعة. " ليشير بذلك مصطلح الضواحي إلى نمو أسرع نسبيا من مناطق الضواحي بالمقارنة مع وسط مدينة في التجمعات الحضرية"[5] .
أما بالنسبة لمجال الدراسة فهو مجال ضاحوي بين مدينتين؛ مدينة قريبة (الفنيدق) ليكون بذلك ضاحية قريبة لهذه الأخيرة، لهما علاقات عديدة ووطيدة في جل المجالات الحيوية، كما لهما أيضا علاقة تأثير وتأثر فيما بينهما، ومدينة طنجة، ليكون أيضا مجال ضاحوي بعيدا عنها، هي الأخرى لها علاقات كبيرة  خاصة في المجال الإداري والصحي والخدماتي، لكن ليس بنفس الطريقة التي ترتبط بمدينة الفنيدق، كون هذه الأخيرة مدينة حدودية مع سبتة لهما تاريخ عريق في التجارة، خاصة تجارة التهريب التي لازالت قائمة إلى يومنا هذا، ومع نشاط المجالات الحدودية الدائم وما يدره من أرباح طائلة على تجاره لجأ معظم ساكنة المجال التغرامتي إلى هذا المنحى مما جعل ارتباطهم وطيدا بمدينة الفنيدق وتطوان، بالإضافة إلى كون مدينة الفنيدق كانت في السابق مجالا ضمن جماعة تغرامت حتى حدود سنة 1992، وبهذا الموروث التاريخي والإداري أصبحت مدينة الفنيدق  أكثر ارتباطا من طنجة رغم عاصمتها الإدارية الحالية. وبهذا يكون للضاحية مفردات أخرى ترتبط بها من قبيل الضاحية القريبة، الضاحية الوسطى، والضاحية البعيدة.
الضاحية القريبة هي " منطقة ليست تماما جزءا من المدينة بالمعنى الصحيح، إذ تنفصل عنها بأماكن فضاء وحقول، وربما اعتبرنا هذا هو الريف من عدة نواحي، ومع ذلك فالسكان تحيا إلى حد بعيد حياة المدينة، فلها يذهبون لأعمالهم اليومية، فساكن الضاحية يعيش حول المدن حياة خاصة جدا، فيغادر منزله في الصباح ولا يعود إليه للغداء [...] والملامح الوظيفية للنطاق واضحة. ففيه لا توجد محلات أو مخازن كبرى، لأن من السهل الشراء من المدينة لشدة قربها، ولأننا أصلا ننتقل إليها يوميا، وهذه الضاحية تمتد باستمرار إلى أفاق أبعد، فهي طلائع المدينة في زحفها، وكثيرا ما تبني مبانيها بناء مؤقتا بسيطا، ثم لا تلبث أن تزال وتحل محلها مبان حقة دائمة مع تقدم المدينة، ومن الناحية الديموغرافية، تتبع الضاحية القريبة حركة سكان المدينة، فتتزايد بالهجرة، بينما الريف المجاور يقفز بأطراد، والجيوب الريفية التي تتبقى في تضاعيف الضاحية القريبة تمثل ريفا متناثرا قويا بالمدينة، فتسوده زراعات الخضر والفواكه والزهور، ويعطى الحقل محله للحديقة، والمزرعة للفيلا. حتى التربة الأولية تتحول: تصنع التربة صنعا بواسطة المخصبات المستمدة من المدينة. وهكذا فإن ظروف الحياة اصطناعية بالنسبة للمزروعات كما هي بالنسبة للسكان"[6]
أما بالنسبة للضاحية الوسطى، فهي " منطقة لا تعد جزءا من المدينة، ولكنها تعتمد عليها اعتمادا مباشرا. وهي تمتد بقدر ما تسمح وسائل المواصلات، وتعد رحلة ساعة الحد الرئيسي للسفر اليومي لمعامل المدينة، [...] والرحلة إلى المدينة ليست يومية، ولكنها على فترات منتظمة، يذهب فيها السكان لقضاء حاجاتهم الأكثر أهمية ويرتبون مواعيدهم بحيث يمكنهم قضاء اليوم كله في المدينة. وتقوم بيوت المدينة الكبيرة بالتوزيع اليومي في هذه المنطقة، وتنافس بذلك محلاتها المحلية الصغيرة منافسة شديدة.
ولكن هذه المنطقة ليست مجرد منطقة سكنى صناعية وسكنية، بل هي تمد المدينة بالألبان والخضروات، وهي أيضا مجال نزهة سكان المدينة في نهاية الأسبوع لقربها، وتنتعش فنادقها ومطاعمها بهم في الصيف خاصة. "[7]
وأخيرا نجد الضاحية البعيدة " أو منطقة حركة أو تجار المدينة. هنا تضعف قوة المدينة كثيرا، وهي منطقة واسعة، والحركة من وإلى المدينة طارئة، في الحالات الهامة الخطرة كالاستشارة الطبية مثلا. أما الجزء الأكبر من الحركة والانتقال هنا فيتجه إلى المدن المحلية الصغرى التي تأخذ بوضوح في الظهور، وفيما عدى الطرق الرئيسية، لا تظهر الحركة على خريطة الطرق إلا بعد أن تتجمع خيوطها قرب المدينة نفسها. والحدود الخارجية لمنطقة الحركة هذه ليست واضحة، ولكنها تمتد على مدى سهولة المواصلات بالنسبة لوجود مدن رئيسية مماثلة تقدم نفس الخدمات. والمدينة نفسها هي مركز الأعمال، ومجال الفرص، منها تأتي الصحف، وإليها يهاجر الشبان أحيانا، وفيها تعمل الفتيات كخادمات، والشبان كعمال، [...] فالمدينة ليست غائبة البتة ولكنها تظل بعيدة، ولذا الاتصال ليس يوميا ولا هو مباشر." [8]



[1]- رضا خليل ( علي لطفي)، 2005، " اتجاهات التطور العمراني في ضواحي غرب نابلس والعلاقات المكانية"، جامعة النجاح الوطنية، كلية الدراسات العليا، نابلس- فلسطين، ص 33، أورد في، المدني ( بونيت)، 2014، " جماعة العليين: أسهام في التشخيص الترابي لعوامل التحول السيومجالية والاقتصادية لجماعة ضاحوية جنينية"، بحث لنيل شهادة الماستر، كلية الآداب والعلوم الإنسانية، تطوان، المغرب.ص 16و17.
[2] - J.h ( Johson), 1974, " Suburban Growth : Geographical processes at the edge of the westen city
[3] - امدافعي (محمد)، 2001، " التحولات المجالية ودور مؤسسة الجماعية في تدبير المجال: حالة ضاحية الدار البيضاء الكبرى"، أطروحة لنيل شهادة الدكتورة الدولة في الجغرافيا، كلية الآداب والعلوم الإنسانية بني ملال، أورد في : عبد العالي ( الجرماطي)، 2013،" أثر التدفق السكاني على تمدين ضواحي الدار البيضاء حالة بلديتي تيط مليل ومديونة"، بحث لنيل شهادة الماستر في الجغرافيا، كلية الآداب والعلوم الإنسانية المحمدية الدار البيضاء.
[4] - Mathieu (Rigouste), "Les maux pour parler de la banlieue " in Hommes et Migrations 1252 (nov-dec 2004) : 74-8 ;dans ;  Fatou Niang, " DE L’AUTRE COTÉ DU PERIPH: LES LIEUX DE L’IDENTITÉ DANS LE ROMAN FEMININ DE BANLIEUE EN FRANCE ،" 2012  Université Lyon 2 ; France .p 27 N.
[5] - K. HALFACREE, 2001, "Constructing the Object: Taxonomic Practices, Counter urbanisation and Positioning Marginal Rural Settlement", International Journal of Population Geography 7: 395-411 ; dans: Martin (Ouredniced)," Differential suburban development in Prague urban Region"memoire geographie, university in Prague, faculty of science, department of social Geography and Regional Development.      
[6] - جمال ( حمدان)، " جغرافية المدن" الطبعة الثانية منقحة، عالم الكتب القاهرة، مصر.ص 370 و 371.
[7] - جمال ( حمدان)، نفسه، ص 371.
[8] - جمال ( حمدان)، نفسه، ص 372.



Commentaires